 |
| اللاجئين السوريين في ألمانيا |
هل تطرد ألمانيا اللاجئين السوريين على غرار ما حدث للأتراك في ثمانينيات القرن الماضي؟
على مدى نحو 14 عاماً، شكّلت ألمانيا ملاذاً آمناً لمئات الآلاف من السوريين الفارين من أتون الحرب، وقدّمت نفسها كقوة أوروبية رائدة في حماية اللاجئين والدفاع عن قيم حقوق الإنسان. غير أنّ المشهد السياسي والاجتماعي داخل البلاد يشهد اليوم تحوّلاً لافتاً، مع تصاعد الدعوات المطالِبة بعودة اللاجئين السوريين إلى وطنهم، سواء بشكل طوعي أو عبر سياسات أكثر تشدداً. هذا التحول يفتح الباب أمام تساؤل تاريخي حساس: هل تعيد ألمانيا سيناريو ترحيل المهاجرين الأتراك الذي شهدته في ثمانينيات القرن العشرين؟
تحول في الخطاب الرسمي
في تشرين الثاني/نوفمبر، أثار المستشار الألماني فريدريش ميرتس جدلاً واسعاً بعدما أعلن عن خطة لترحيل اللاجئين السوريين «في المستقبل القريب»، داعياً في الوقت نفسه إلى تشجيع العودة الطوعية إلى سوريا. هذه التصريحات عكست تغيراً واضحاً في الخطاب الرسمي، واعتبرها مراقبون مؤشراً على ضغط سياسي داخلي متزايد، خاصة مع صعود التيارات اليمينية الشعبوية.
ما وراء صعود اليمين المتطرف
لكن الكاتبة والباحثة ميشيل لين كاهن، في مقال نشره موقع The Conversation، ترى أن تفسير هذه السياسات لا يقتصر على تنامي شعبية حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف. فبحسب كاهن، فإن العنصرية وكراهية الإسلام ليستا ظاهرتين طارئتين أو محصورتين في الهامش السياسي، بل لهما جذور عميقة داخل السياسة والمجتمع الألماني السائد منذ عقود.
تشابه تاريخي مع ملف الأتراك
تستحضر كاهن تجربتها البحثية في تاريخ الهجرة الألمانية لتسلط الضوء على سياسات حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، الذي ينتمي إليه ميرتس. ففي ثمانينيات القرن الماضي، واجه الحزب ملفاً مشابهاً تمثّل في وجود ملايين العمال الأتراك الذين قدموا إلى ألمانيا الغربية في الستينيات والسبعينيات للمساهمة في إعادة الإعمار بعد الحرب العالمية الثانية. ومع مرور الوقت، تحولت هذه العمالة إلى جالية مستقرة، لتصبح أكبر أقلية عرقية في البلاد.
شعارات قديمة بملامح جديدة
مع تزايد الوجود التركي آنذاك، ارتفعت موجات العنصرية من اليمين المتطرف ومن الوسط السياسي على حد سواء. وروّجت أطراف متعددة لفكرة أن الإسلام «غير متوافق» مع أوروبا، وهو خطاب ترى كاهن أنه يعود اليوم بصياغات جديدة. وقد وصل الأمر بالمستشار الأسبق هيلموت كول إلى إعلان رغبته في تقليص عدد الأتراك في ألمانيا بنسبة 50%.
العودة الطوعية كحل سياسي
وبسبب الإرث التاريخي الثقيل المرتبط بجرائم النازية، لم يكن الترحيل القسري خياراً مطروحاً. لذلك لجأت الحكومة آنذاك إلى قانون «العودة الطوعية»، الذي قدّم حوافز مالية لتشجيع الأتراك على المغادرة. وبالفعل، غادر نحو 15% من المهاجرين الأتراك ألمانيا، في واحدة من أكبر موجات الهجرة الجماعية السريعة في أوروبا الحديثة. إلا أن كثيرين منهم واجهوا لاحقاً صعوبات اقتصادية واجتماعية قاسية في تركيا.
هل يتكرر السيناريو مع السوريين؟
تخلص كاهن إلى أن ألمانيا لا يمكنها اليوم التعويل على نجاح السياسة نفسها مع اللاجئين السوريين. فالأزمة الإنسانية في سوريا ما زالت قائمة، والظروف أشد تعقيداً مما كانت عليه تركيا في الثمانينيات. وتشير الأرقام إلى أن نحو 1300 سوري فقط عادوا طوعاً منذ سقوط نظام الأسد، أي ما يعادل 0.1% فقط من السوريين المقيمين في ألمانيا.
بين ضغوط الداخل والتزامات القيم الأوروبية، تجد ألمانيا نفسها أمام اختبار تاريخي جديد. فالتجربة مع الأتراك في الثمانينيات تقدّم درساً واضحاً حول حدود «العودة الطوعية» عندما تصطدم بالواقع الإنساني. والسؤال المطروح اليوم ليس فقط ما إذا كانت ألمانيا قادرة على تكرار هذا السيناريو مع السوريين، بل أيضاً ما إذا كانت مستعدة لتحمّل تبعاته الأخلاقية والسياسية على المدى البعيد.
تعليقات
إرسال تعليق