من التحالف إلى المواجهة.. كيف يمكن لتركيا أن تقلب قواعد اللعبة وتربك إسرائيل في سوريا؟
![]() |
| المواجهة المحتملة |
قاعدة تركية على أبواب إسرائيل؟ سيناريو قد يشعل مواجهة جديدة في سوريا
بقلم: طلعت الجردي
المصدر: صحيفة معاريف
تبدو العلاقة بين إسرائيل وتركيا وكأنها انتقلت خلال سنوات قليلة من مرحلة التحالف والتنسيق إلى مرحلة جديدة عنوانها الشك المتبادل والاستعداد لمواجهة مفتوحة على كل الاحتمالات. وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها سوريا والشرق الأوسط، يبرز سيناريو وصفه محلل عسكري إسرائيلي بأنه قادر على وضع تل أبيب أمام معضلة استراتيجية شديدة التعقيد: ماذا لو تحولت تركيا من قوة مؤثرة في سوريا إلى قوة عسكرية متمركزة على الأرض، وعلى مقربة مباشرة من مناطق العمليات الإسرائيلية؟
هذا السؤال طرحه المحلل العسكري الإسرائيلي آفي آشكنازي في مقال نشرته صحيفة "معاريف"، متحدثًا عن احتمال قيام أنقرة بإرسال قافلة عسكرية كبيرة إلى دمشق، تضم دبابات وناقلات جند مدرعة ومعدات هندسية ورافعات، بهدف إنشاء قاعدة عسكرية تركية على الأراضي السورية.
قد يبدو السيناريو للوهلة الأولى افتراضيًا، لكنه في الحسابات العسكرية الإسرائيلية يحمل دلالات خطيرة، لأنه يعني أن تركيا قد تنتقل من ممارسة النفوذ السياسي والعسكري غير المباشر إلى تثبيت وجود عسكري مباشر في قلب سوريا.
من الحليف إلى الخصم
يختصر آشكنازي التحول في العلاقات بين أنقرة وتل أبيب بعبارة لافتة: "من عاشق إلى عدو". فالعلاقة التي كانت في فترات سابقة تقوم على التعاون الأمني والعسكري والتنسيق السياسي، تحولت تدريجيًا إلى ما يشبه الحرب الباردة، مع تصاعد الخلافات بشأن سوريا وشرق المتوسط والقضية الفلسطينية.
ويرى المحلل الإسرائيلي أن المشكلة بالنسبة إلى تل أبيب لا تكمن في خلاف محدود حول ملف واحد، بل في اتساع دائرة النفوذ التركي في المنطقة.
فأنقرة، بحسب هذا الطرح، تعمل على تعزيز حضورها في مناطق تمتد من سوريا والعراق ولبنان إلى ليبيا وقطر والصومال، إضافة إلى اهتمامها المتزايد بغزة والضفة والغربية وقبرص، فيما تراقب مصر وشرق المتوسط باعتبارهما جزءًا من معادلة النفوذ الإقليمي الأوسع. وهنا تظهر القضية الأكثر حساسية: البحر الأبيض المتوسط.
معركة النفوذ على شرق المتوسط
لا يرى آشكنازي أن التحركات التركية مرتبطة بالدين أو بالصراع مع إسرائيل وحده، بل يضعها في إطار مشروع جيوسياسي واقتصادي أوسع تسعى من خلاله أنقرة إلى ترسيخ موقعها كحلقة وصل بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
وقد عززت تركيا خلال العقود الماضية قدراتها في مجالات النقل والطيران والصناعة والسياحة والدفاع، وأصبحت الخطوط الجوية التركية واحدة من أبرز أدوات الانفتاح الاقتصادي التركي على العالم.
لكن الطموح، وفق التحليل الإسرائيلي، لا يتوقف عند الاقتصاد. فتركيا تسعى أيضًا إلى توسيع نفوذها في قطاع الصناعات الدفاعية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، التي أصبحت أحد أبرز عناصر القوة في الاستراتيجية العسكرية التركية.
ومن هنا ينتقل الصراع إلى البحر. فالتفاهمات التركية الليبية بشأن ترسيم الحدود البحرية شكلت، من وجهة نظر خصوم أنقرة، خطوة تمنح تركيا مجالًا أوسع للمناورة في شرق المتوسط، وتضعها في مواجهة مصالح اليونان وقبرص ومصر إلى جانب إسرائيل.
وتزداد أهمية هذه المعركة بسبب ملف الطاقة، إذ إن خطوط نقل الغاز من شرق المتوسط إلى الأسواق الأوروبية يمكن أن تصبح جزءًا من لعبة النفوذ الجيوسياسي، ما يجعل السيطرة على طرق الملاحة ومناطق النفوذ البحري مسألة تتجاوز حدود الاقتصاد لتلامس الأمن القومي.
لماذا تشكل غزة وسوريا عقدتين أساسيتين؟
وفق الرؤية التي يعرضها آشكنازي، فإن توسيع النفوذ التركي في شرق المتوسط لا يمكن فصله عن غزة وسوريا. فسوريا، تمثل بالنسبة إلى تركيا نقطة ارتكاز استراتيجية بسبب موقعها الجغرافي، بينما تمثل غزة نقطة حساسة في التوازنات السياسية والعسكرية للمنطقة.
ومع تراجع النفوذ الإيراني في بعض الساحات نتيجة التحولات السورية، يرى المحلل الإسرائيلي أن الطريق قد يصبح أكثر انفتاحًا أمام أنقرة لتوسيع نفوذها وتحقيق طموحاتها الإقليمية. لكن هذا التوسع لا يحدث من فراغ.
فالأردن ولبنان واليونان وقبرص ومصر ودول خليجية عدة تنظر، بدرجات متفاوتة، إلى التمدد التركي باعتباره تطورًا يستوجب الحذر وإعادة حسابات النفوذ والتحالفات.
السيناريو الأكثر إثارة للقلق: قاعدة تركية في دمشق
هنا يصل التحليل إلى النقطة الأكثر إثارة. يتخيل آشكنازي سيناريو يمكن أن تتحرك فيه تركيا بسرعة كبيرة، فتدفع بقافلة تضم عشرات أو حتى مئات الآليات الهندسية والعسكرية إلى دمشق، ترافقها دبابات وناقلات جند وأنظمة دفاع جوي متنقلة. ثم تبدأ عملية إنشاء قاعدة عسكرية تركية من الصفر.
السؤال الذي يطرحه المحلل الإسرائيلي بسيط في صياغته، لكنه بالغ التعقيد في نتائجه: ماذا ستفعل إسرائيل في هذه الحالة؟
فإذا أصبحت هناك قوات تركية على الأرض السورية، فإن أي محاولة إسرائيلية لضرب هذه المنشآت قد تحمل معها خطر مواجهة مباشرة مع دولة عضو في حلف شمال الأطلسي، وتمتلك جيشًا كبيرًا وقدرات عسكرية متطورة وعلاقات دولية واسعة.
وهكذا يمكن أن تتحول سوريا من ساحة تتحرك فيها إسرائيل ضد خصومها الإقليميين إلى مساحة احتكاك مباشر بين قوتين إقليميتين كبيرتين.
الدفاع الجوي التركي قد يغيّر المعادلة
المخاوف الإسرائيلية لا تتعلق فقط بوجود الجنود الأتراك، بل بطبيعة المعدات التي يمكن أن ترافقهم. فإقامة منظومات رادار ودفاع جوي متقدمة في سوريا قد تقيّد هامش الحركة الذي اعتادت إسرائيل امتلاكه في الأجواء السورية.
وتنظر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى حرية الحركة الجوية باعتبارها عنصرًا أساسيًا في قدرتها على تنفيذ عمليات بعيدة المدى، بما في ذلك العمليات التي تستهدف تهديدات في دول أخرى بالمنطقة.
أما دخول منظومات دفاع جوي متطورة إلى المعادلة، فيمكن أن يفرض على إسرائيل إعادة حسابات العمليات الجوية، وربما يرفع تكلفة أي تحرك عسكري مستقبلي.
والأكثر حساسية هو احتمال إنشاء بنية عسكرية تركية تضم قدرات عسكرية متطورة من طائرات مسيّرة ورادارات متطورة وأنظمة اعتراض جوي، ما قد يجعل أي احتكاك بين الطرفين أكثر خطورة من مجرد خلاف سياسي وتنافس اقتصادي.
مطار أبو الظهور قد يكون نقطة البداية للحوار
وسط هذه الأجواء، يبرز اقتراح الأكاديمي الإسرائيلي المتخصص في الشأن التركي، هاي إيتان ينروجاك، بضرورة استغلال الخلافات حول مطار أبو الظهور في إدلب، كفرصة لإعادة فتح قنوات الاتصال بين أنقرة وتل أبيب.
الفكرة الأساسية هنا أن استمرار غياب آلية واضحة للتنسيق بين الطرفين قد يؤدي إلى سوء تقدير ميداني، خصوصًا في منطقة مكتظة بالقوات والأنظمة العسكرية والطائرات المسيّرة.
ولهذا، يقترح إنشاء آلية تنسيق دبلوماسية وعسكرية تعمل بصورة مستمرة، وبإمكانها التدخل سريعًا عند حدوث أي احتكاك أو أزمة.
وقد يكون هذا الاقتراح أكثر أهمية مما يبدو، لأن أخطر الحروب لا تبدأ دائمًا بقرار سياسي واضح، وإنما قد تبدأ بحادث ميداني، أو سوء تقدير، أو تحرك عسكري لم يفهم الطرف الآخر دوافعه بصورة صحيحة.
إسرائيل أمام معادلة صعبة
المشكلة بالنسبة إلى إسرائيل أن الخيارات المتاحة أمامها في حال تحقق السيناريو التركي ليست سهلة. فتركيا ليست خصمًا ضعيفًا يمكن التعامل معه بالطريقة نفسها التي تعاملت بها إسرائيل مع جماعات مسلحة أو قوى إقليمية أقل حجمًا.
أنقرة تمتلك جيشًا كبيرًا وصناعة دفاعية متطورة وشبكة علاقات دولية واسعة، كما أن موقعها الجغرافي يمنحها أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا وحلف شمال الأطلسي.
لذلك، فإن وجود قوات تركية في سوريا قد يخلق معادلة جديدة تمامًا: إسرائيل تريد الحفاظ على حرية عملياتها، وتركيا تريد تثبيت نفوذها، والولايات المتحدة قد تجد نفسها مضطرة إلى منع الطرفين من الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
التحالفات الإقليمية قد تصبح أكثر أهمية
أمام هذا المشهد، يرى آشكنازي أن إسرائيل تمتلك فرصة لتعزيز تحالفاتها مع اليونان وقبرص ودول أخرى تشعر بالقلق من التوسع التركي. لكن المفارقة أن بناء تحالفات مضادة لتركيا قد يدفع أنقرة بدورها إلى البحث عن ساحات ضغط جديدة. وهنا تكمن خطورة السيناريو السوري تحديدًا؛ فكلما توسعت شبكة التحالفات حول تركيا وإسرائيل، زادت احتمالات انتقال التنافس من البحر المتوسط إلى سوريا، ومن الملفات السياسية إلى الاحتكاك العسكري المباشر.
البيت الأبيض أمام اختبار صعب
في نهاية المطاف، يضع التحليل الإسرائيلي جزءًا كبيرًا من مسؤولية احتواء الأزمة على عاتق الولايات المتحدة. فواشنطن، بحكم علاقاتها مع أنقرة وتل أبيب، قد تكون الطرف الأكثر قدرة على إنشاء قناة اتصال تمنع سوء التقدير وتضع قواعد واضحة للتحرك العسكري في سوريا.
لكن نجاح أي وساطة لن يكون سهلًا. فالخلاف بين تركيا وإسرائيل لم يعد مرتبطًا بملف واحد، بل أصبح جزءًا من تنافس أوسع على النفوذ والطاقة والحدود البحرية ومستقبل سوريا وترتيبات الأمن في شرق المتوسط.
هل تتحول سوريا إلى ساحة مواجهة جديدة؟
السيناريو الذي طرحه آشكنازي قد لا يتحول بالضرورة إلى واقع، لكنه يكشف عن حجم المخاوف الإسرائيلية من المسار الذي تسلكه تركيا في المنطة. فإذا اكتفت أنقرة بالنفوذ السياسي والوجود العسكري المحدود، فقد يبقى التنافس ضمن حدود يمكن احتواؤها. أما إذا انتقلت إلى إنشاء قواعد عسكرية دائمة ومجهزة بمنظومات دفاع جوي متقدمة، فإن قواعد اللعبة ستتغير بصورة جذرية.
والأخطر أن سوريا، التي كانت خلال السنوات الماضية ساحة لتصفية صراعات إقليمية متعددة، قد تتحول في المستقبل إلى خط تماس مباشر بين تركيا وإسرائيل.
عندها لن يكون السؤال متعلقًا بمن يملك النفوذ الأكبر في سوريا فقط، بل بمن يستطيع فرض قواعد الحركة في سماء المنطقة وبحرها.
وهنا تحديدًا تكمن المعضلة: كلما اقتربت القوات التركية والإسرائيلية من بعضها، تقلص هامش الخطأ، وأصبح أي حادث ميداني قادرًا على إشعال أزمة أكبر بكثير من حدود سوريا.
وفي شرق المتوسط، حيث تتقاطع خطوط الطاقة والملاحة والتحالفات العسكرية والطموحات الإقليمية، قد تكون الخطوة الصغيرة كافية أحيانًا لإطلق سلسلة من التطورات التي يصعب على الجميع السيطرة عليها.


تعليقات
إرسال تعليق