 |
| دبابة ميركافا |
قبرص تدرس شراء دبابات "ميركافا" من إسرائيل
بقلم: طلعت الجردي
تعود جزيرة قبرص إلى واجهة المشهد العسكري في شرق البحر المتوسط مع تجدد الحديث عن احتمال حصولها على دبابات "ميركافا" الإسرائيلية، في خطوة تحمل أبعادًا تتجاوز مجرد تحديث ترسانة عسكرية قديمة. فاختيار قبرص لدبابة إسرائيلية متطورة بدلًا من دبابات "ليوبارد" التي عرضتها اليونان، قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من سباق التسلح في الجزيرة المقسمة، ويضع العلاقات المتوترة أصلًا بين تركيا وإسرائيل أمام اختبار إضافي.
وبحسب ما أورده موقع إسرائيلي متخصص، رفضت قبرص عرضًا يونانيًا للحصول على ما بين 75 و90 دبابة من طراز "ليوبارد 1"، وأعادت النظر في جهودها السابقة للحصول على دبابات "ميركافا" الإسرائيلية، ولا سيما من طرازي "ميركافا 3" أو "ميركافا 4".
لماذا تبحث قبرص عن دبابات جديدة؟
يمتلك الحرس الوطني القبرصي حاليًا أسطولًا من دبابات تي-80 يو روسية الصنع، وهي دبابات أصبحت عملية تشغيلها أكثر تعقيدًا في ظل الحرب الروسية الأوكرانية والعقوبات المفروضة على موسكو.
فالحصول على قطع الغيار والذخائر والدعم الفني للمعدات الروسية لم يعد مهمة سهلة بالنسبة إلى قبرص، الأمر الذي يدفع نيقوسيا إلى البحث عن بدائل غربية وإسرائيلية أكثر سهولة من حيث الدعم والتحديث والتكامل مع الأنظمة العسكرية الحديثة.
وبالتالي، تبدو نيقوسيا راغبة في الحصول على دبابة قتال رئيسية أكثر تطورًا، تمتلك قوة نارية أكبر وقدرة أعلى على حماية الطاقم والبقاء في ميدان المعركة.
"ميركافا"... أكثر من مجرد دبابة
هنا تظهر دبابة "ميركافا" الإسرائيلية كخيار مختلف تمامًا. فالدبابة تعتمد على مدفع عيار 120 ملم في الإصدارات الحديثة، وتتميز بتصميم يولي حماية الطاقم أهمية كبيرة، إضافة إلى إمكانية دمج أنظمة حماية نشطة متقدمة، مثل منظومة "معطف الريح" المعروفة إسرئيليًا باسم "تروفي".
لكن أهمية الصفقة المحتملة لا تتعلق بالمواصفات الفنية وحدها.
فإذا تحولت المفاوضات إلى اتفاق فعلي، فإن الأمر سيشكل تطورًا لافتًا في صادرات الصناعات الدفاعية الإسرائيلية، ويعكس مستوى الثقة المتزايد بين إسرائيل وقبرص في المجال العسكري والأمني.
وتأتي هذه الخطوة في سياق تعاون أوسع بين الطرفين، إذ سبق لقبرص أن حصلت على منظومات دفاع جوي إسرائيلية متطورة، إلى جانب أنظمة مسيّرة ومعدات عسكرية أخرى.
 |
| ميركافا العمود الفقري للقوات البرية الإسرائيلية |
صفقة مؤجلة بسبب الحرب
المحادثات المتعلقة بدبابات "ميركافا" بدأت قبل عام 2023، لكنها تعرضت للتجميد بعد اندلاع الحرب في غزة.
ويبدو أن أحد أبرز العوائق أمام إتمام الصفقة يرتبط باحتياجات الجيش الإسرائيلي نفسه، الذي وجد نفسه أمام متطلبات عسكرية متزايدة على أكثر من جبهة، الأمر الذي جعل الاحتفاظ بمخزون كافٍ من الدبابات للقوات النظامية والاحتياطية أولوية استراتيجية.
ومع ذلك، فإن إعادة طرح الصفقة حاليًا تحمل دلالة مهمة، خصوصًا إذا كانت قبرص مصممة على الانتقال من المعدات الروسية القديمة إلى منظومات قتالية أكثر تطورًا.
لماذا تنظر تركيا إلى الخطوة بحساسية؟
تكمن المشكلة الأساسية في الموقع الجغرافي لقبرص.
فالجزيرة تقع على مسافة قريبة من السواحل التركية، وهي مقسمة فعليًا منذ عقود بين جمهورية قبرص المعترف بها دوليًا في الجنوب وكيان القبارصة الأتراك في الشمال الذي تدعمه أنقرة.
ولهذا فإن أي تعزيز كبير للقدرات العسكرية في الجزء الجنوبي من الجزيرة يمكن أن يُقرأ في تركيا ليس باعتباره مجرد عملية تحديث دفاعي، وإنما باعتباره تغييرًا في ميزان القوى القائم.
وتزداد حساسية الأمر عندما تكون إسرائيل هي الطرف الذي يزود قبرص بالأسلحة، في وقت تشهد فيه العلاقات بين أنقرة وتل أبيب توترات متزايدة بسبب ملفات إقليمية متعددة، وفي مقدمتها الحرب في غزة والتطورات الأمنية في سوريا.
هل تعيد "ميركافا" سباق التسلح إلى قبرص؟
من وجهة نظر تحليلية، فإن وصول دبابات "ميركافا" إلى قبرص قد يكون أكثر أهمية سياسيًا من قيمته العسكرية المباشرة.
فالقضية لا تتعلق بعدد الدبابات التي يمكن أن تحصل عليها قبرص، وإنما بالرسالة التي قد تحملها الصفقة. إدخال منظومة مدرعة إسرائيلية متطورة إلى الجزيرة يمكن أن ينظر إليه على أنه جزء من تحول أوسع في بنية التحالفات الأمنية بشرق المتوسط، حيث تتقاطع مصالح إسرائيل وقبرص واليونان وفرنسا في عدد من الملفات.
وفي المقابل، قد تجد تركيا نفسها أمام خيار تعزيز وجودها العسكري في شمال قبرص لمنع اختلال ميزان القوى.
وقد يشمل ذلك نشر دبابات أكثر حداثة، وتطوير أنظمة مضادة للدروع، وتعزيز القدرات الجوية والبحرية، وربما زيادة المناورات العسكرية في محيط الجزيرة.
وبذلك قد تتحول صفقة دبابات محدودة من الناحية العددية إلى شرارة لعملية إعادة تسلح متبادلة.
كيف يمكن أن ترد أنقرة؟
إذا مضت قبرص في شراء الدبابات الإسرائيلية، فمن المحتمل أن تنظر أنقرة في تعزيز قدراتها العسكرية الموجودة في شمال الجزيرة.
وقد تصبح الدبابات التركية الحديثة، وعلى رأسها "ألتاي"، أو نسخ أكثر تطورًا من عائلة "ليوبارد 2" الموجودة في الخدمة التركية، جزءًا من خيارات الرد المحتملة.
لكن الرد التركي لن يكون بالضرورة عسكريًا فقط. فأنقرة تمتلك أدوات دبلوماسية واقتصادية وأمنية يمكن استخدامها للضغط على الأطراف المرتبطة بهذا الملف، خصوصًا في ظل التنافس المتزايد حول الطاقة والنفوذ في شرق المتوسط.
 |
| دبابة آلتاي التركية |
الغاز والطاقة.. البعد الأخطر
تكتسب المسألة بعدًا أكثر حساسية عند ربطها بملف الغاز الطبيعي. فالمياه المحيطة بقبرص تشكل منطقة مهمة لعمليات الاستكشاف والتنقيب عن موارد الطاقة، وقد شهدت السنوات الماضية توترات بين تركيا وقبرص واليونان بشأن الحدود البحرية وحقوق التنقيب.
ومن هنا، فإن نشر دبابات حديثة في قبرص قد لا يؤدي بحد ذاته إلى مواجهة بحرية، لكنه يمكن أن يصبح جزءًا من بيئة أمنية أكثر توترًا، تتداخل فيها القوات البرية مع التحركات البحرية والجوية والصراع على موارد الطاقة.
وقد يدفع ذلك تركيا إلى إظهار حضور عسكري أكبر في المناطق البحرية المحيطة بقبرص، بما يرفع من احتمالات الاحتكاك وسوء التقدير.
هل تصبح قبرص ساحة مواجهة جديدة؟
السيناريو الأكثر إثارة للقلق ليس اندلاع حرب مباشرة بسبب صفقة دبابات، فهذا احتمال مبالغ فيه، وإنما تحول الجزيرة تدريجيًا إلى نقطة جديدة من نقاط التنافس العسكري في شرق المتوسط.
فكل طرف قد ينظر إلى خطواته باعتبارها دفاعية، بينما يراها الخصم جزءًا من استعدادات هجومية. وهنا تكمن خطورة سباق التسلح: عندما تتراكم الدبابات والطائرات والسفن والصواريخ وأنظمة الدفاع الحديثة في مساحة جغرافية محدودة، تصبح احتمالات سوء التقدير أكبر، حتى في حال عدم وجود رغبة فعلية لدى الأطراف في خوض حرب شاملة.
إسرائيل وقبرص... تحالف يتجاوز السلاح؟
تطور التعاون العسكري بين إسرائيل وقبرص يمكن قراءته أيضًا في إطار التحولات الجيوسياسية التي يشهدها حوض شرق المتوسط.
فالتقارب بين إسرائيل واليونان وقبرص لم يعد يقتصر على العلاقات السياسية أو الاقتصادية، بل بات يشمل مجالات الدفاع والطاقة والتدريبات العسكرية.
وهذا الانتقال قد يثير قلق تركيا، التي ترى في قبرص التركية جزءًا من أمنها القومي، وتراقب عن كثب أي تغير في ميزان القوى العسكري على الجزيرة.
شرق المتوسط أمام مرحلة أكثر تعقيدًا
في النهاية، لا يمكن النظر إلى صفقة "ميركافا" المحتملة باعتبارها صفقة أسلحة تقليدية لتحديث أسطول قبرصي قديم فحسب. فالقرار، إذا تم، قد تكون له تداعيات سياسية وعسكرية تتجاوز حدود قبرص، خصوصًا في ظل التوتر بين تركيا وإسرائيل، والخلافات التركية اليونانية، والصراع على موارد الطاقة، والتنافس على النفوذ في سوريا وشرق المتوسط.
ومن وجهة نظر تحليلية، فإن تزويد إسرائيل لقبرص بأسلحة حديثة قد يعيد التوتر العسكري إلى الجزيرة بصورة تدريجية، ويمنح سباق التسلح في شرق المتوسط زخمًا جديدًا. فكلما حصل طرف على منظومات أكثر تطورًا، زادت الضغوط على الطرف المقابل للرد بالمثل، ما قد يؤدي إلى دائرة متصاعدة من التسلح.
والخطر الحقيقي لا يمكن في دبابة "ميركافا" بحد ذاتها، وإنما في أن تصبح هذه الدبابة رمزًا لتحول أوسع في المعادلة الأمنية للجزيرة.
فإذا دخلت "ميركافا" إلى الخدمة القبرصية، وردت تركيا بتعزيز قواتها في شمال قبرص، ثم تبعتها خطوات بحرية وجوية جديدة من الجانبين، فقد تجد منطقة شرق المتوسط نفسها أمام واقع أمني مختلف تمامًا.
وفي منطقة تتقاطع فيها المصالح التركية والإسرائيلية واليونانية والقبرصية والفرنسية، وتتنافس فيها الدول على الطاقة والنفوذ والحدود البحرية، قد يكون أي تغيير صغير في ميزان القوة كافيًا لإشعال صراعات أكبر في المستقبل.
ولهذا، فإن صفقة الدبابات المحتملة ليست مجرد خبر عسكري، بل تطور يستحق المتابعة باعتباره مؤشرًا على اتجاهات التنافس الجيوسياسي في شرق المتوسط خلال السنوات المقبلة.
تعليقات
إرسال تعليق